فهد فضل باصصلها ثانيتين. ـ إنتِ بجد بتسألي عن الأكل دلوقتي؟ ـ أمال هسأل عن إيه؟ عن أسعار الذهب؟ أنا دهب أصلًا! فهد غمض عينيه للحظة. ولأول مرة من سنين، حس إن كل المشاكل اللي واجهها في حياته كانت أهون من البنت اللي قرر يتجوزها.
— وصلوا الفيلا، ودهب أول ما دخلت وقفت في نص الصالة وبصت للسقف العالي والنجف الكريستال والأثاث الفخم. ـ يا لهوي! فهد بص لها. ـ إيه؟ ـ إنت ساكن هنا لوحدك؟ ـ أيوه. ـ طب ما كنت تجيب معاك ناس!
البيت ده واسع لدرجة لو ناديت عليك من المطبخ ممكن تسمعني بعد بكرة! ـ اتعودت على الهدوء. دهب بصت له بحزن مصطنع. ـ يا عيني عليك. أكيد بتتعشى مع نفسك وبتقول لنفسك تصبح على خير. ـ دهب، لو سمحتي.
ـ حاضر. بس سؤال أخير. عندك تلفزيون كبير؟ فهد أشار ناحية الصالة. دهب جريت وقعدت على الكنبة. ـ عظمة! كده نقدر نبدأ حياتنا الزوجية بداية صح. فهد وقف مكانه. ـ حياتنا الزوجية؟! دهب شغلت التلفزيون وقالت ببراءة: ـ أيوه. أنت في أوضتك وأنا في أوضتي، ونتقابل على الأكل.
زي أي اتنين محترمين. فهد قرب منها وقال بجدية: ـ إنتِ هتنامي في الجناح الشرقي. وأنا في الجناح الغربي. وممنوع تدخلي مكتبي أو غرفة الملفات. دهب رفعت إيدها كأنها بتقسم. ـ حاضر يا فندم. هو أنا داخلة أسرق منك أسرار الدولة؟
لكن أول ما فهد طلع فوق، دهب قامت من مكانها وبدأت تستكشف الفيلا. دخلت المطبخ، فتحت التلاجة، لقت مية وعصير وخضار وعلب أكل متقسمة بعناية. بصت للتلاجة بقرف. ـ يا نهار أبيض! ده مش بيت، ده مستشفى تخسيس! فتحت درج المطبخ، ولقت علبة بسكويت واحدة.
رفعتها فوق راسها كأنها اكتشفت كنزًا. ـ الحمد لله. فيه أمل في الحياة. خدت البسكويت وطلعت تدور على أوضتها، لكن بدل ما تدخل الجناح الشرقي، دخلت غرفة في آخر الطرقة. الغرفة كانت مقفولة نص قفلة، وجواها مكتب صغير وصور قديمة ورفوف مليانة ملفات. دهب قربت من صورة على المكتب.
كانت صورة لأبوها وهو واقف مع فهد، لكن المرة دي كان معاهم طفل صغير، يمكن عنده عشر سنين. دهب مسكت الصورة وقلبتها. مكتوب وراها: “فهد ومالك وعماد… اليوم اللي وعدنا فيه إن السر هيفضل مدفون.” دهب همست: ـ مالك مين؟ وعماد مين؟ وإيه السر اللي مدفون؟
فجأة سمعت صوت فهد من وراها: ـ قلتلك ممنوع تدخلي هنا! دهب اتخضت، والصورة وقعت من إيدها. فهد دخل بسرعة وخد الصورة من الأرض، وملامحه اتغيرت لما شافها. ـ إنتِ شوفتي الصورة دي؟ دهب رفعت دقنها. ـ أيوه.
وشفت إن أبويا كان يعرفك من زمان، وإن فيه حد اسمه مالك وحد اسمه عماد. مين دول؟ فهد حط الصورة في الدرج وقفله بالمفتاح. ـ الموضوع ده ملوش علاقة بيكي. دهب قربت منه. ـ كل حاجة تخص أبويا ليها علاقة بيا! ـ مش كل حقيقة لازم تعرفيها دلوقتي.
ـ لأ. كل حقيقة لازم أعرفها. وأنا مش هسكت لحد ما أعرف كل حاجة. فهد رفع صوته لأول مرة: ـ كفاية يا دهب! دهب سكتت من المفاجأة. ملامحه كانت مختلفة. مش مجرد عصبية، كان فيه خوف وغضب ووجع متداخلين بطريقة خلتها تحس إن الصورة دي مش مجرد ذكرى قديمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.