بعد ساعات من الإجراءات والتحريات، حصلنا على إذن للوصول إلى الأرشيف القديم. تحركنا في مجموعة، وكان الضابط مصرّ إن محدش ينفصل عن الباقيين. المبنى كان قديمًا، والطرقات فيه ضيقة، والهدوء مسيطر على المكان بشكل يخلّي أي صوت بسيط مسموع. وصلنا لغرفة الأرشيف. المسؤول فتح الباب، ودخلنا.
كانت فيه رفوف طويلة مليانة ملفات قديمة، وريحة الورق المعتق مالية المكان. الضابط طلب البحث عن السجل رقم ٢٧. فضلنا ندور لحد ما موظف الأرشيف سحب صندوقًا معدنيًا من آخر رف. كان عليه رقم باهت. ٢٧. قلبي بدأ يدق بسرعة. فتح الضابط الصندوق، وبدأ يقلب المستندات بحرص.
وفجأة وقف عند صفحة معينة. مريم، تعالي شوفي ده. قربت منه. كان فيه جدول بأسماء المواليد، وتواريخ الولادة، وأرقام الملفات. في السطر الأول اسم طفلة اتولدت الساعة ٢١٠ صباحًا. وفي السطر التاني اسم طفلة اتولدت الساعة ٢٢٥ صباحًا.
لكن الغريب إن الاسم الموجود في السطر الأول كان مكتوب فوق اسم تاني، وكأن حد حاول يغيره. الضابط طلب من خبير الأدلة يفحص الصفحة، وبعد دقائق قال فيه آثار كشط وتعديل قديم. لازم نفحص الورقة بشكل متخصص عشان نعرف الكتابة الأصلية.
كنت بقرأ الأسماء الظاهرة، وفجأة لمحت اسم أمي كاملًا في خانة الشهود. فاطمة عبد الرحيم. وتحته توقيعها. لكن في آخر الصفحة كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف يُمنع تسليم نسخة من هذا السجل إلا بموافقة مدير المستشفى. وبجانب السطر ختم رسمي. الدكتور سامح قرب من الورقة، ووشه اتغير.
قال بصوت خاڤت الختم ده ما كانش موجود في النسخة اللي شوفتها زمان. الضابط سأله يعني إيه؟ رد يعني إن حد رجع للملف بعد سنوات، وأضاف تعليمات جديدة عشان يمنع أي حد من الوصول للحقيقة. في اللحظة دي، سمعنا صوت باب بيتقفل بقوة من آخر الممر.
العسكري اللي كان واقف عند المدخل جري يشوف إيه اللي حصل. وبعد ثواني رجع وهو بيقول يا فندم، فيه عربية خرجت من البوابة الخلفية بسرعة، وكان فيها شخص لابس بالطو أبيض. الدكتور سامح اتوتر. ده مش ممكن الضابط بص له. إنت تعرف الشخص ده؟ سامح بلع ريقه وقال أيوه.
ده مدير المستشفى الحالي. اټصدمت. مدير المستشفى؟ هو له علاقة بكل ده؟ سامح رد أنا مش بقول إنه مسؤول عن اللي حصل من تلاتين سنة، لكن هو الشخص اللي كان عنده صلاحية الوصول للملفات القديمة، وهو اللي طلب مني من يومين أراجع بيانات الطفل. الضابط سأله وليه؟
سامح رد قال إن فيه خطأ في تسجيل بيانات الطفل ولازم يتصلح بسرعة. لكن لما راجعت الملف، اكتشفت إن المستندات متعارضة، وإن فيه حد بيحاول يخليني أوقّع على بيانات مش متأكد منها. الضابط طلب منه يوضح كل ده رسميًا، وبعدها رجع يبص للسجل.
وفجأة لاحظنا وجود ورقة صغيرة متدخلة بين صفحتين. سحبها بحرص. كانت مكتوبة بخط أمي. قرأت أول سطر بصوت مرتعش لو مريم وصلت للسجل ده، يبقى أنا فشلت في حمايتها من الماضي. حسيت بدموعي بتنزل. كملت القراءة يا بنتي، لو بتقري الكلام ده، اعرفي إن الحقيقة مش في الاسم اللي اتكتب على الورق، الحقيقة في الشخص اللي احتفظ بالنسخة الأصلية لما الكل حاول يتخلص منها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.